الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

288

مناهل العرفان في علوم القرآن

( ثانيها ) أن اللّه تعالى لم يقر رسوله على خطأ أبدا ، لأنه لو أقره عليه لكان إقرارا ضمنيا بمساواة الخطأ للصواب والحق للباطل . ما دامت الأمة مأمورة من اللّه باتباع الرسول فيما يقول ويفعل . ولكان في ذلك تلبيس على الناس وتضليل لهم عن الحق الذي فرض اللّه عليهم اتباعه . ولكان ذلك مدعاة إلى التشكك فيما يصدر عن الرسول ، ضرورة أنه على هذا الفرض قد يجتهد ويخطئ ولا يرشده اللّه إلى وجه الصواب فيما أخطأ . وهذه اللوازم كلها باطلة لا محالة ، فبطل ملزومها وثبت أن الحكيم العليم لا يمكن أن يقر القدوة العظمى على خطأ أبدا ، بل لا بد أن يبين له وجه الصواب . وقد يكون مع هذا البيان لون من ألوان العتاب لطيفا أو عنيفا ، توجيها له وتكميلا ، لا عقوبة وتنكيلا . ( ثالثها ) أن الرسول كان يرجع إلى الصواب الذي أرشده إليه مولاه دون أن يبدي غضاضة ، ودون أن يكتم شيئا مما أوحى إليه من تسجيل الأخطاء عليه ، وتوجيه العتاب إليه ، وفي ذلك - لا ريب - أنصع دليل على عصمته وأمانته ، وعلى صدقه في كل ما يبلغ عن ربه ، وعلى أن القرآن ليس من تأليفه ووضعه ، ولكنه تنزيل العزيز الرحيم . آيات العتاب نوعان : أما بعد فإن العتاب الموجه للرسول في القرآن على نوعين نوع لطيف لين ونوع عنيف خشن . ولنمثل لهما بأمثلة ثلاثة : ( المثال الأول ) قوله تعالى في سورة التوبة : عَفَا اللَّهُ عَنْكَ . لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ وذلك أنه عليه السلام كان قد أذن لبعض المنافقين في التخلف عن غزوة تبوك حين جاءوا يستأذنون ويعتذرون ، فقبل منهم تلك الأعذار . أخذا بظواهرهم ، ودفعا لأن يقال إنه لا يقبل العذر من أصحاب الأعذار ، ولكن اللّه تعالى عاتبه كما ترى ، وأمره بكمال التثبت والتحري ، وألا ينخدع بتلك الظواهر ، فإن من ورائها أسفل المقاصد واللّه أعلم بما يبيتون ولعله لم يخف عليك لطف هذا العتاب بتصدير العفو فيه خطابا للرسول من رب الأرباب ! .